فخر الدين الرازي
81
تفسير الرازي
كما تقول صرفتك إلى كذا ، ولا يحسن عدلتك فيه ولا صرفتك فيه ، ففي القراءة الأولى جعل في من قوله : * ( في أي صورة ) * صلة للتركيب ، وهو حسن ، وفي القراءة الثانية جعله صلة لقوله : * ( فعدلك ) * وهو ضعيف ، واعلم أن اعتراض القراء إنما يتوجه على هذا الوجه الثاني ، فأما على الوجه الأول الذي ذكره أبو علي الفارسي فغير متوجه والثالث : نقل القفال عن بعضهم أنهما لغتان بمعنى واحد ، أما قوله : * ( في أي صورة ما شاء ركبك ) * ففيه مباحث الأول : ما هل هي مزيدة أم لا ؟ فيه قولان : الأول : أنها ليست مزيدة ، بل هي في معنى الشرط والجزاء فيكون المعنى في أي صورة ما شاء أن يركبك فيها ركبك ، وبناء على هذا الوجه ، قال أبو صالح ومقاتل : المعنى إن شاء ركبك في غير صورة الإنسان من صورة كلب أو صورة حمار أو خنزير أو قرد والقول الثاني : أنها صلة مؤكدة والمعنى في أي صورة تقتضيها مشيئته وحكمته من الصور المختلفة ، فإنه سبحانه يركبك على مثلها ، وعلى هذا القول تحتمل الآية وجوهاً أحدها : أن المراد من الصور المختلفة شبه الأب والأم ، أو أقارب الأب أو أقارب الأم ، ويكون المعنى أنه سبحانه يركبك على مثل صور هؤلاء ويدل على صحة هذا ما روى أنه عليه السلام قال في هذا الآية : " إذا استقرت النطفة في الرحم ، أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم " ، والثاني : وهو الذي ذكره الفراء والزجاج أن المراد من الصور المختلفة الاختلاف بحسب الطول والقصر والحسن والقبح والذكورة والأنوثة ، ودلالة هذه الحالة على الصانع القادر في غاية الظهور ، لأن النطفة جسم متشابه الأجزاء وتأثير طبع الأبوين فيه على السوية ، فالفاعل المؤثر بالطبيعة في القابل المتشابه لا يفعل إلا فعلاً واحداً ، فلما اختلفت الآثار والصفات دل ذلك الاختلاف على أن المدبر هو القادر المختار ، قال القفال : اختلاف الخلق والألوان كاختلاف الأحوال في الغنى والفقر والصحة والسقم ، فكما أنا نقطع أنه سبحانه إنما ميز البعض عن البعض في الغنى والفقر ، وطول العمر وقصره ، بحكمة بالغة لا يحيط بكنهها إلا هو ، فكذلك نعلم أنه إنما جعل البعض مخالفاً للبعض ، في الخلق والألوان بحكمة بالغة ، وذلك لأن بسبب هذا الاختلاف يتميز المحسن عن المسئ والقريب عن الأجنبي ، ثم قال : ونحن نشهد شهادة لا شك فيها أنه سبحانه لم يفرق بين المناظر والهيئات إلا لما علم من صلاح عباده فيه وإن كنا جاهلين بعين الصلاح القول الثالث : قال الواسطي : المراد صورة المطيعين والعصاة فليس من ركبه على صورة الولاية كمن ركبه على صورة العداوة ، قال آخرون : إنه إشارة إلى صفاء الأرواح وظلمتها ، وقال الحسن : منهم من صوره ليستخلصه لنفسه ، ومنهم من صوره ليشغله بغيره مثال الأول : أنه خلق آدم ليخصه بألطاف بره وإعلاء قدره وأظهر روحه من بين جماله وجلاله ، وتوجه بتاج الكرامة وزينه برداء الجلال والهيبة . * ( كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ) * . قوله تعالى : * ( كلا بل تكذبون بالدين ) * اعلم أنه سبحانه لما بين بالدلائل العقلية على صحة القول